يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) صدق الله العظيم

قبيلة حمر واحدة من أبرز القبائل العربية العدنانية التي استقرت في السودان، وقد شكّلت عبر تاريخها الطويل ركيزة أساسية في البنية الاجتماعية والثقافية لمنطقة غرب كردفان، خاصة في دار حمر التي تتوسطها مدينة النهود؛ العاصمة التاريخية والاقتصادية للقبيلة ومركز ثقلها الإداري

هذا الحضور التاريخي المميز جعل من قبيلة حمر موضوعا لاهتمام الباحثين والرحالة والمستشرقين منذ بدايات القرن العشرين، وعلى رأسهم الإداريان البريطانيان هارولد ماكمايكل وهندرسون، اللذان وثّقا بنية القبيلة، ونظامها الأهلي، وأعرافها الاجتماعية، في مؤلفات أصبحت اليوم من المراجع الرئيسة لدراسة تاريخ كردفان والقبائل العربية في السودان

وفي هذا السياق الغني بالتنوع والتفاعل، برزت أسماء قيادية أسهمت في بناء منظومة الإدارة الأهلية وترسيخ السلم الاجتماعي في دار حَمَر، وفي مقدمتهم الناظر الراحل عبد القادر منعم منصور، الذي يمثّل نموذجًا فريدًا للقيادة التقليدية ذات الأثر العميق في المجتمع المحلي

لقد حمل الراحل عبد القادر منعم إرث النظارة بوعيٍ وحكمة، واستطاع خلال سنوات خدمته أن يعيد تعريف دور القيادة الأهلية بما ينسجم مع متغيرات الواقع، دون أن يفرّط في الأصالة أو القيم المتوارثة. وقد تميّزت حقبته بإدارة رشيدة للنسيج الاجتماعي، ورعاية المصالحات بين المكونات السكانية، وتفعيل الأعراف التي تحفظ الحقوق وتضمن الأمن والاستقرار

لم يكن الراحل مجرد ناظر للقبيلة، بل كان شخصية وطنية ذات حضور واسع، عرفته المنطقة قائدًا متزنًا، ووسيطًا حكيمًا، ومرجعًا يعتمد عليه في لحظات الخلاف. وقد ترك بصمات واضحة في تطوير مؤسسة النظارة وإعلاء شأن الحكم المحلي، مما جعل اسمه مرتبطًا بتاريخ دار حَمَر الحديث وبذاكرة أهلها

إن إعادة توثيق هذه السيرة، وتقديم قبيلة حمر في سياقها التاريخي والاجتماعي، هو فعل وفاء لذكرى رجلٍ استثنائي، وواجب تجاه الأجيال المقبلة التي تستحق أن تعرف كيف صُنعت معاني التماسك والسلم الأهلي في هذه المنطقة العريقة

تجمع الروايات الشفوية والمكتوبة على أن قبيلة حَمَر قبيلة عربية عدنانية رعوية، يُرجع نسبها إلى محمد الأحمر الذي يُنسب إلى بني الأحمر، آخر حكام الأندلس الذين سقطت دولتهم عام 1492م. ومن ثمّ، تروي المصادر أن القبيلة شاركت ضمن الهجرة الهلالية الكبرى من صعيد مصر نحو تونس الخضراء، قبل أن تتحرك جنوبًا إلى وادي النيل ودارفور، وصولًا إلى بوادي كردفان حيث استقرَّت نهائيًا نحو عام 1796م

وقد وصف المستشرق البريطاني هارولد ماكمايكل قبيلة حَمَر بأنها من أغنى القبائل العربية في إفريقيا من حيث الثروة الحيوانية، نظرًا لاعتمادها الكبير على تربية الإبل والأبقار والضأن، فضلًا عن اتساع رقعة مراعيها الطبيعية التي تمتد من سهول شمال كردفان إلى تخوم دارفور

عندما وصلت قبيلة حَمَر إلى إقليم كردفان في أواخر القرن الثامن عشر، كانت تعيش مرحلة انتقال تاريخية حاسمة، فقد انقسمت آنذاك إلى مجموعتين كبيرتين
مجموعة استقرّت فترةً في شمال دارفور، وأخرى واصلت مسيرتها نحو وسط وغرب كردفان حيث أرست اللبنات الأولى لما يُعرف اليوم بـ دار حمر, 
في تلك الحقبة، تولّى الشيخ سالم—أحد أبرز زعماء القبيلة—قيادة رحلة البحث عن الماء والمراعي، وهي رحلة لم تكن مجرد تنقلٍ جغرافي، بل كانت سعيا لترسيخ وجود القبيلة وبناء موطنٍ دائم لأبنائها. غير أن الشيخ سالم توفي قرب منطقة المزروب، ليتحمّل ابنه منعم سالم مسؤولية قيادة القبيلة في ظرفٍ بالغ الحساسية

أثبت منعم سالم حكمةً سياسية نادرة مكّنته من تغيير مسار الأحداث. فقد استطاع أن يُبرم اتفاقًا تاريخيًا مع سلاطين دارفور، يقضي بوقف الحروب والنزاعات مقابل تقديم ألف من الإبل وبعض الهدايا، وهو اتفاق رسّخ السلام وضمن للقبيلة حقّ الاستقرار. وبموجب هذا التفاهم منحت سلطنة دارفور للقبيلة وثيقة نحاسية تؤكد ملكيتها للأرض التي أصبحت لاحقًا تُعرف باسم بادية دار حَمَر—الأرض الأم التي شكلت هوية القبيلة وامتدادها التاريخي

إن هذا الإرث العريق من الحكمة والحنكة السياسية يمثّل خلفيةً أساسية لفهم مسيرة القيادة في دار حَمَر، وصولًا إلى رموزها المعاصرين، وفي مقدمتهم الناظر الراحل عبد القادر منعم منصور، الذي حمل راية أسلافه بثباتٍ ورؤية، وحافظ على وحدة القبيلة وإرثها التاريخي، مواصلًا تقاليد القيادة التي أسسها رجالٌ من طراز منعم سالم, وإحياءً لذكرى الراحل عبد القادر منعم، يأتي هذا التوثيق ليؤكد أنّ تاريخ دار حمر لم يكن مجرد انتقال جغرافي أو استقرار قبلي، بل مسيرة قيادة حكيمة امتدت عبر الأجيال، صاغت هوية المنطقة ورسّخت قيم التماسك والسلم بين مكوّناتها

تنقسم قبيلة حَمَر إلى ثلاثة فروع رئيسية تشكِّل أساس بنيتها الاجتماعية، وهي

العساكرة

الدقاقيم

الغريسية

ويضم كل فرع من هذه الفروع عددًا من الأفخاذ وخشوم البيوت التي تنحدر من بطون وأسر متقاربة النسب والمصاهرة. ومن أبرز هذه المكونات

الطرادات

الغشيمات

التيايسة

أولاد أبو كُويرة

أولاد شادور

أولاد بُرعاص

ناس هاروش

ناس قفيلة

ناس حِميِّر

وقد رُويت أسطورة فلكلورية تُجسد هذا التقسيم، تقول إن أصل القبيلة يعود إلى شجرة تبلدي سقطت منها ثلاث ثمرات

الأولى طارت بعيدًا فأنجبت الطرادات

الثانية دُقّت إلى أجزاء فكانت الدقاقيم

والثالثة استقرت في الأرض فأنجبت الغريسية
ويُظهر هذا التراث الشفهي مدى عمق الوعي الجمعي لدى القبيلة في ربط أصلها بالأرض والطبيعة والرموز المحلية

إلى جانب المكوّن العربي الأصل في دار حَمَر، تشكّلت عبر العقود فسيفساء اجتماعية واسعة ضمّت مجموعات غير حَمَرية من قبائل سودانية وإفريقية قدمت إلى المنطقة واستقرت فيها تدريجيًا، فكان لها دور معتبر في بناء المجتمع المحلي. ومن بين هذه المكوّنات فروع من النوبة و المسبعات و الفلاتة، إضافة إلى مجموعات أخرى من المقيمين الدائمين أو الموسميين الذين ارتبطت حياتهم الاقتصادية بدائرة النهود وما حولها

ومع مرور الزمن، لم تبقَ هذه الجماعات على هامش المجتمع، بل اندمجت بعمق في النسيج الحَمَري عبر المصاهرة والمعايشة والمصالح المشتركة، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية للدار. وقد ساعد هذا التنوع على إغناء المشهد الثقافي والاجتماعي، فتكاملت العادات والتقاليد، وتداخلت الأنماط الاقتصادية، ونشأت بيئة مميزة تتسم بالتسامح والانفتاح وقدرة عالية على احتواء الاختلاف

هذا النموذج من التعايش، الذي طالما حافظت عليه دار حَمَر، كان من أهم ما عمل الراحل الناظر عبد القادر منعم منصور على حمايته وترسيخ دعائمه طوال سنوات قيادته. فقد آمن بأن قوة المجتمع تُبنى بالتنوّع، وأن وحدة الدار لا تكتمل إلا حين يشعر كل مقيم فيها بأنه جزء منها، له ما لها وعليه ما عليها

وقد عبّر الإداري البريطاني دوغلاس نيوبولد عن هذا الطابع الإنساني الفريد لكردفان — والذي تُعد دار حَمَر أحد أبرز نماذجه — بقوله الشهير

"اللهم احفظ أهل كردفان من الجوع والمرض والحرب والجهل، واملأ قلوبهم نعمة التسامح والتآلف حتى يعم السلام بدلًا من الخصام

لقد كان هذا الدعاء انعكاسًا صادقًا لواقعٍ اجتماعي صنعه التاريخ ورسّخته القيادة الرشيدة، وواصل الراحل الناظر عبد القادر منعم حمل رايته حتى أيامه الأخيرة، مؤمنًا بأن السلم الاجتماعي هو الإرث الأكبر الذي ينبغي أن يُحفظ للأجيال القادمة

مع بداية الحكم الثنائي الإنجليزي–المصري عام 1898م، أُنشئت في دار حَمَر نظارتان لإدارة شؤون القبيلة

الأولى برئاسة حمد بك فتين (أبودكة) من فرع الدقاقيم

والثانية برئاسة عبد الرحيم بك أبودقل من الغريسية

وفي عام 1928م، تم توحيد النظارات الثلاث تحت نظارة عامة واحدة برئاسة الشيخ منعم منصور محمد شيخ، أحد أبرز الزعماء في تاريخ القبيلة الحديث. وقد أشاد الإداري البريطاني جيمس روبرتسون بذكاء الناظر منعم، ووصفه بأنه “رجل هادئ أمين استطاع بحكمته أن يكسب احترام قبيلته المعروفة بنزعتها الحرة

 النهود… مدينة تنمو على خطى التاريخ وإرث القيادة

شهدت مدينة النهود تحولات اقتصادية واجتماعية متتابعة منذ نشأتها، جعلتها مركزًا محوريًا في غرب كردفان ودرّة بادية دار حَمَر. وقد بدأت ملامح نهضتها الزراعية بمحصولي البطيخ والدخن اللذين شكّلا في بدايات القرن الماضي أهم مواردها الزراعية، قبل أن تتوسع الرقعة الزراعية لتشمل الفول السوداني والصمغ العربي، وهما المنتجان اللذان رسّخا مكانتها الاقتصادية في عموم كردفان

ومع إدخال نظم الإدارة الحديثة عام 1905م، شرع المأمور علوي باشا في وضع أول مخطط عمراني للمدينة، يشمل تقسيم الأحياء وتحديد الطرق والأسواق، في خطوةٍ أساسية نحو تنظيم المدينة على أسس حديثة قادرة على استيعاب نموها المتسارع

وقد تميّز هذا التخطيط بظهور ثلاثة أحياء مركزية حملت أسماء نظار قبيلة حَمَر، تقديرًا لمكانتهم ودورهم في ترسيخ الأمن والاستقرار، وهي

حي الناظر إسماعيل قراض القش – شمال المدينة (فرع العساكرة

حي الناظر محمد أبوجلوف – غرب المدينة (فرع الدقاقيم

حي الناظر عبد الرحيم أبودقل – جنوب المدينة (فرع الغريسية

لم تكن هذه الأحياء مجرد تقسيمات عمرانية، بل كانت انعكاسًا لهيبة القيادة الأهلية ودورها المركزي في بناء المجتمع، وهو الإرث الذي حمله لاحقًا النظار المتعاقبون، وفي مقدمتهم الراحل الناظر عبد القادر منعم منصور، الذي أسهم في تعزيز مكانة النهود ودار حَمَر عبر رؤيته القيادية وحكمته في إدارة شؤون الناس والسعي لتطوير المنطقة اقتصاديًا واجتماعيًا

شكّلت دار حَمَر إحدى الدعائم الرئيسة لمنظومة الإدارة الأهلية في السودان، إلى جانب نظارات الكبابيش والجوامعة والمسيرية، إذ لعبت دورًا محوريًا في تنظيم شؤون البادية وضبط العلاقات بين المكونات القبلية في إقليم كردفان. وقد برزت النظارة تاريخيًا كسلطة محلية ذات أثر واضح في بسط الأمن، وتسوية النزاعات، وتيسير حركة التجارة بين كردفان ودارفور

وفي بدايات القرن العشرين، برز اسم الناظر العام منعم منصور كأحد أهم المجددين في مؤسسة الإدارة الأهلية. فقد أعاد هيكلة المحاكم الأهلية ووضع أسسًا أكثر انتظامًا للعلاقة بين القبيلة والإدارة الاستعمارية، مما أسهم في تعزيز دور النظارة وتطوير أدائها في مرحلة دقيقة من تاريخ المنطقة. وقد أرست جهوده قواعد الانضباط الإداري، وأعادت الاعتبار لدور الحكم الأهلي باعتباره شريكًا في إدارة الأمن المحلي وحماية موارد المجتمعات الريفية

ومع تطور الدولة الحديثة، واصل أبناء دار حَمَر حضورهم في الحياة العامة، حيث برز عدد منهم في مجالات السياسة والإدارة والقضاء والتعليم، مؤكدين أن القبيلة كانت — وما تزال — منبعًا لقيادات وطنية أثرت في المشهد السوداني وساهمت في بنائه

ويمثل هذا الإرث الممتد الخلفية التي انطلق منها لاحقًا الراحل الناظر عبد القادر منعم منصور، الذي حمل راية القيادة بحكمة وحنكة، معززًا الدور التاريخي لدار حمر في حفظ السلم الاجتماعي وترسيخ قيم العدل والتعايش، لتظل القبيلة نموذجًا للاستقرار والإدارة الراشدة في غرب السودان

 حَمَر إرث الصحراء وركنٌ راسخ في تاريخ كردفان والسودان

تُعرف قبيلة حَمَر بثقافتها الرعوية الأصيلة التي تشكّلت عبر قرون في فضاء الصحراء والسهول، حيث ارتبط أبناؤها بالإبل والماشية وطرق البادية القديمة. وقد اشتهرت القبيلة بخصالٍ راسخة من حفظ الأنساب، والفروسية، والشعر الشعبي، والكرم، وهي قيم كوّنت شخصيتها الجماعية وميّزتها في خارطة القبائل العربية بالسودان

ولم يقتصر دور الحَمَر على الحياة الرعوية، بل أسهموا بفاعلية في تجارة الصمغ العربي التي شكّلت العمود الفقري لاقتصاد كردفان لعقود طويلة. وقد أصبحت مدينة النهود — عاصمة دار حَمَر — واحدًا من أكبر أسواق الصمغ في إفريقيا، كما وصفها الإداري البريطاني دوغلاس نيوبولد في تقاريره خلال الفترة الاستعمارية

إنّ دراسة تاريخ دار حَمَر ليست مجرد استعراض لوقائع قبلية، بل هي بوابة لقراءة أعمق لتاريخ السودان الاجتماعي والثقافي والسياسي. فقد مثّلت القبيلة نموذجًا فريدًا للتكامل بين العروبة والإفريقية، وبين الترحال والاستقرار، وأسهمت في صوغ النسيج المتنوع لمديرية كردفان التي وصفها البريطانيون بأنها

“صورة مصغّرة من السودان كله ”

وقد كان للإدارة الأهلية في دار حَمَر — وعلى رأسها أسرة آل منعم منصور — دورٌ محوري في هذا البناء الاجتماعي. إذ تمكن الراحـل الناظر عبد القادر منعم منصور من الحفاظ على هذا الإرث، وترسيخ قيم التعايش بين مختلف المكوّنات، مستلهماً تاريخ قبيلته ودورها في صياغة أحد أكثر نماذج التعايش ثباتًا في السودان

ويبقى ما وثّقه الإداري البريطاني هندرسون في مذكرته الشهيرة “تاريخ قبيلة حَمَر في غرب كردفان” من أهم المراجع العلمية حول القبيلة، إذ جمع بين الروايات الشفوية والملاحظات الميدانية، ليحفظ للأجيال اللاحقة ذاكرة واحدة من أعرق القبائل العربية في السودان، ويؤكد عمق حضورها في تاريخ المنطقة

دور الطرق الصوفية وصلتها بآليات الإدماج الاجتماعي والثقافي

شهدت مدينة النهود في إقليم كردفان، ولا سيما في نطاق دار حَمَر، مساراً فريداً في بناء المجتمع المحلي، حيث تداخلت البُنى القبلية مع الدين، والحركة التجارية مع الثقافة، لتنتج نموذجاً متوازناً من النهوض الاجتماعي والديني. وقد مثّلت الطرق الصوفية إحدى أهم القوى التي صنعت هذا التوازن وأسهمت في توطيد أطر الانسجام الاجتماعي والإدماج الثقافي بين المجموعات السكانية المختلفة

إن النهوض الاجتماعي والديني في مدينة النهود لم يكن نتيجة عامل واحد، بل هو ثمرة تفاعل بين البنية القبلية المرنة والدور المحوري للطرق الصوفية، التي لعبت دوراً روحياً وثقافياً واجتماعياً واسعاً أسهم في توحيد النسيج الاجتماعي وإنتاج نموذج إدماج اجتماعي وثقافي متوازن وبذلك أصبحت الطرق الصوفية في النهود ليست مجرد مؤسسات دينية، بل نظم اجتماعية كاملة تؤدي دوراً تنظيمياً في بناء العلاقات، وإدارة التعايش، وتعزيز الاستقرار في دار حمر

تُعد النهود إحدى المدن المحورية في غرب السودان، إذ شكّل موقعها على طرق القوافل التقليدية نقطة التقاء بين القبائل والمجموعات التجارية والرحّل والمزارعين
وقد اتسم مجتمع حمر بخصائص اجتماعية راسخة، أهمها

البنية القَبَلية المرنة التي حافظت على أعرافها وفي الوقت نفسه أتاحت درجة عالية من التواصل مع الوافدين

اقتصاد قائم على الرعي والتجارة جعل المدينة مركزاً مفتوحاً لتبادل المنافع

ثقافة الضيافة والتكافل الاجتماعي التي ساعدت في استيعاب الغرباء وتحويلهم إلى جزء من النسيج الاجتماعي

في هذا المناخ برز الدور الروحي والديني كعامل أساسي في تشكيل العلاقات الاجتماعية

الطرق الصوفية ودورها في النهوض الديني

لقد كانت الطرق الصوفية—وخصوصاً الطريقة القادرية والتيجانية والسمانية—ركائز أساسية لترسيخ الحياة الدينية والروحية في النهود. ويمكن إجمال دورها في الآتي

نشر التعليم الديني التقليدي

تأسيس الخلاوى ومجالس القرآن

تعليم الفقه واللغة العربية

خلق جيل من الحفظة والعلماء شكّلوا قاعدة معرفية للمجتمع

ترسيخ قيم التسامح والوسطية

اعتمد مشايخ الطرق الصوفية خطاباً يركّز على السلم الاجتماعي ونبذ العنف، مما عزّز الاستقرار الديني والتعايش بين الجماعات

الإسهام في تكوين الرموز الاجتماعية

أصبح شيوخ الطرق الصوفية مراجع اجتماعية، لهم مكانتهم في حل النزاعات، وإدارة الشورى الأهلية، وإبداء المشورة في المسائل العامة

الطرق الصوفية وآليات الإدماج الاجتماعي والثقافي

بناء شبكات التضامن

وفّرت الزوايا والخلاوى فضاءً مفتوحاً للجميع – بغض النظر عن الانتماء القبلي – مما ساعد في دمج الوافدين والقادمين من المناطق الأخرى
كان الانخراط في الطريقة الصوفية بمثابة هوية فوق–قبلية تعيد صياغة العلاقات على أساس روحي بدل الانتماء العشائري

اندماج اقتصادي عبر المواسم الدينية

المناسبات الصوفية مثل الموالد والمناسبات الذكرية خلقت حراكاً اقتصادياً موسعاً، أسهم في تشبيك التجار، والرعاة، والوافدين، وساهم في إعادة توزيع الموارد بطريقة عزّزت التماسك الاجتماعي

الوساطة في النزاعات

لعبت الطرق الصوفية دوراً مهماً في فضّ الخصومات بين فروع دار حَمَر وبين القبائل المجاورة
وقد أضفى حضور المشايخ شرعية مجتمعية جعلت تنفيذ الصلح أسهل وأكثر قبولاً

إنتاج ثقافة مشتركة

الإنشاد، حلقات الذكر، الأدب المرتبط بالصوفية، وقيم الكرامة والضيافة، كلها عناصر ساهمت في تكوين ثقافة جامعة تتجاوز الفوارق القبلية

أثر النهوض الصوفي على الهوية المحلية

بفضل الدور الروحي والاجتماعي للطرق الصوفية، تشكلت في النهود هوية مدينة لا تقتصر على القبيلة وحدها، بل تتسع لتشمل

قيم التدين المرتكز على التسامح

روح العمل الجماعي والتكافل

ترابط المجتمعات الريفية والحضرية

تفاعل بين الثقافات المتجاورة ضمن إطار ديني وأخلاقي واحد

وقد ساعد هذا على جعل النهود مركزاً لاستقبال المهاجرين الداخليين، وموقعاً مناسباً لاندماج الثقافات القادمة من شمال كردفان وغرب دارفور وبقية السودان

تمثل دار حَمَر في غرب كردفان واحدة من أكثر مناطق السودان ثراءً بالتنوع الاجتماعي والثقافي، فهي أرض احتضنت عبر القرون جماعات متعددة الأصول والمشارب، تفاعلت فيها القبائل العربية والمستعربة مع المجموعات المحلية من نوبةٍ وفلاتةٍ وغيرهم، لتنتج نسيجًا اجتماعيًا فريدًا يقوم على التعايش والتكامل لا على الصراع والانعزال
وقد شكّلت هذه البيئة الغنية قاعدةً متينةً لنشوء قيمٍ إنسانيةٍ رفيعةٍ، أبرزها التسامح، واحترام الآخر، وروح الجماعة، وهي القيم التي حافظت على وحدة المنطقة واستقرارها حتى في أحلك فترات التاريخ

كردفان صورة مصغرة للسودان

في فترة الحكم الثنائي (1898-1956)، كانت مديرية كردفان محطَّ اهتمام الإداريين البريطانيين، لما تمتاز به من تعددية إثنية وثقافية جعلت منها – كما وصفها الإداري البريطاني دوغلاس نيوبولد – "صورةً مصغرةً من السودان"، تمتد من الصحراء الجرداء شمالًا إلى جبال النوبة والغابات الزاهية جنوبًا
وقد أدرك نيوبولد أن سرّ تماسك هذه الرقعة الواسعة يكمن في روح التسامح والتعاون بين سكانها، فدعا أن "يفرغ الله في قلوبهم نعمة التآلف، ليعم السلام بدلًا من النزاع"، وهي الدعوة التي تنسجم تمامًا مع ما جسّده أهل دار حَمَر عبر تاريخهم الطويل من تواصلٍ وتعايشٍ وتكافلٍ

دار حَمَر: أرض التداخل الاجتماعي والتنوع الثقافي

تشير المرويات الشفوية، كما وردت في مذكرة الإداري البريطاني كينيث ديفيد درويت هندرسون (1935)، إلى أن قبيلة حَمَر جاءت إلى غرب كردفان من دارفور في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، واختلطت بالقبائل المحلية وارتبطت بها بالمصاهرة والتجارة والرعي، مما جعلها قبيلة "مختلطة الجذور"، تمثل فسيفساءً سودانيةً حقيقية ومن هذا التفاعل، نشأ مجتمع متعدد الفروع، يتكون من العساكرة والدقاقيم والغريسية، لكن الرابط بينهم ظل أقوى من أي انقسام نسبي، إذ جمعتهم قيم الشجاعة والكرم والنخوة، وأُطِّرَت علاقاتهم الاجتماعية ضمن مؤسسات الإدارة الأهلية التي كانت تمثل العدالة والحكمة والقيادة الشعبية

مع بزوغ فجر الحكم الثنائي، أعادت الإدارة الاستعمارية تنظيم الهياكل الأهلية في دار حَمَر، فبرز اسم الناظر منعم منصور محمد شيخ سنة 1928 كناظر عموم لدار حَمَر، بعد توحيد النظارات الثلاث. وقد أظهر هذا الزعيم الإداري حنكةً نادرةً في ضبط العلاقات بين مكونات المجتمع المحلي، فعمل على توحيد الصفّ، وتطوير الإدارة الأهلية، وتعزيز قيم السلم الأهلي في منطقة عُرفت بحيويتها وتعدد انتماءاتهاوقد وصفه الإداري البريطاني جيمس روبرتسون، الذي عمل في مركز غرب كردفان بين عامي 1934 و1936، بأنه "رجل ودود وهادئ، استطاع بأمانته وحنكته أن يكسب احترام قبيلته المشهورة بالفوضى وعدم احترام القانون"، وهي شهادة تُبرز  المكانة التي حظي بها الناظر منعم منصور في نظر من عرفوا المنطقة عن قرب

عُرفت دار حمر بتنوعها الاجتماعي الذي تجاوز الانتماءات القبلية الضيقة، فكانت ملاذًا للتجار والمزارعين والرعاة من مناطق السودان المختلفة، حيث تقاطعت فيها طرق القوافل التجارية، وازدهرت الأسواق – مثل سوق النهود الذي عُدّ من أكبر أسواق الصمغ العربي في إفريقيا – مما عزز من روح التواصل والتبادل بين المجموعات السكانية ولم يكن هذا التنوع مدعاةً للتنازع، بل كان مصدر ثراء إنساني أسهم في بناء مجتمع متماسكٍ تسوده قيم الجوار، والعرف، والإصلاح الأهلي، وهي المبادئ التي ظلت راسخة في عهد الناظر عبد القادر منعم منصور، الذي ورث عن والده منعم منصور الحكمة والتواضع، وجسّد روح القيادة الجماعية التي جعلت الإدارة الأهلية أداةً للتنمية والاستقرار، لا وسيلةً للسلطة فحسب

كانت الإدارة الأهلية في دار حَمَر خلال النصف الأول من القرن العشرين إحدى أنجح التجارب السودانية في الجمع بين السلطة والعُرف. فهي لم تكن مجرد جهازٍ إداري، بل كانت منظومة قيمٍ اجتماعيةٍ تُعبّر عن ضمير الجماعة, وفي ظل هذا الإطار، برزت أسماء مثل الناظر عبد القادر منعم منصور، الذي واصل نهج والده في الإصلاح الاجتماعي، وإدارة شؤون الناس بالحكمة والمشورة، واحترام التعدد والتنوع داخل دار حَمَر وخارجها. لقد أدرك أن بقاء هذه الدار مرهونٌ بتماسك نسيجها الاجتماعي، وأن العدل والمساواة والتسامح هي الركائز التي تحفظ وحدة القبيلة وتديم السلم بين مكوناتها

تزخر دار حَمَر بثقافة غنية تتجلى في أشكال الحياة اليومية، من الزراعة والرعي إلى الفنون الشعبية والأمثال والحكايات والأساطير. وتُعد الأسطورة الشعبية التي تروي أن أصل حَمَر من "شجرة تبلدي سقطت منها ثلاث ثمرات" مثالًا رمزيًا عميقًا على هذا التنوع المتحد، إذ تعبر عن وحدة الأصل رغم اختلاف الفروع، وتؤكد أن القوة في التعدد لا في الانقسام, إن تاريخ دار حَمَر ليس مجرد سردٍ لأحداث الماضي، بل هو تجسيد لمسيرةٍ إنسانيةٍ راقية قامت على قيم التسامح والتعايش والعدالة. وقد كان للناظر عبد القادر منعم منصور دورٌ بارزٌ في الحفاظ على هذا الإرث وتعزيزه، فجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الانتماء المحلي والوعي الوطني، ليظل اسمه علامةً مضيئة في سجل الإدارة الأهلية السودانية، ورمزًا للوحدة والسلام في دار حَمَر وكردفان والسودان بأسره

دكتور الهادي حمد عباس / الاستاذ الصحفي الصافي موسي حمدان / الاستاذ احمد قفيلة / دكتور محمد حامد ابوفردة

Contact

info@abdalgadermoniem.com

Social media