يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) صدق الله العظيم

السيرة العطرة للأمير الناظر عبد القادر منعم منصور

ناظر عموم قبائل دار حمر 1940 – 2025م

يُعدّ الأمير الناظر عبد القادر منعم منصور أحد أبرز الزعامات القبلية والوطنية في السودان الحديث، ورمزاً من رموز الحكمة والكرامة في تاريخ إقليم كردفان. شغل منصب ناظر عموم قبائل دار حمر منذ عام 1985 وحتى رحيله في 25 أكتوبر 2025م عن عمر ناهز الخامسة والثمانين عاماً، بعد مسيرة حافلة بالعطاء وخدمة المجتمع والوطن

النشأة والخلفية العائلية

وُلد الأمير عبد القادر منعم منصور عام 1940 في بيئة قيادية عريقة في دار حمر، تنتمي إلى سلالة راسخة الجذور في الإدارة الأهلية والحكم المحلي. تولى والده الناظر منعم منصور نظارة عموم دار حمر عام 1926، واشتهر بالحزم والعدل والزهد، مؤسساً لتقاليد راسخة في القيادة والمسؤولية. خلفه في المنصب ابنه منصور منعم منصور، ثم تولى الأمير عبد القادر النظارة عام 1985، ليواصل نهج أسرته في القيادة الراشدة وخدمة الناس

نشأ الأمير في بيئة مشبعة بالقيم الأصيلة من الكرم والشجاعة والانتماء للأرض والإنسان، وتربى على احترام التقاليد الأهلية، مع انفتاحه على متغيرات العصر. وقد شكّلت هذه الخلفية مزيجاً فريداً من الأصالة والحكمة، جعلت منه زعيماً قادراً على إدارة التنوع الاجتماعي والقبلي في دار حمر بروح المسؤولية والوطنية

إمارته ودوره في استقرار كردفان

على مدى أربعة عقود من القيادة، برز الأمير عبد القادر منعم منصور كرمزٍ للاستقرار والتماسك الاجتماعي في غرب كردفان. كان ناظراً حكيماً، عرفته المجالس بالأناة وبعد النظر، ولقّبه الكثيرون بـ "العمود الفقري للإدارة الأهلية في كردفان
لم يكن إدارياً فحسب، بل كان قائداً مجتمعياً قريباً من الناس، يسعى لحل قضاياهم، ويفصل في النزاعات بروح العدل والمصالحة. كما كان راعياً للتعليم والتنمية المحلية، مؤمناً بأن النهوض بالمجتمع يبدأ من وعي أبنائه. وكان يفاخر دائماً بإنجازات أبناء وبنات دار حمر، مشجعاً لهم على العلم والعمل والمشاركة الوطنية

في أصعب مراحل التاريخ الحديث لغرب كردفان، حين اشتدت النزاعات وتدهورت الأوضاع الأمنية، كان للأمير عبد القادر دور محوري في الحفاظ على النسيج الاجتماعي ومنع الانزلاق إلى الفوضى, وعندما نزح أهالي مدينة الفولة بعد تدميرها، فتح لهم أبواب مدينة النهود ووفّر لهم الحماية والضيافة، فكانت مواقفه مثالاً للنجدة والكرم والإيثار

دوره في الصلح والجودية وإصلاح ذات البين

اشتهر الناظر عبد القادر، رحمه الله، بقدرته على الإصلاح بين الناس، فكان رجل جوديةٍ من الطراز الأول. شارك في عشرات مبادرات الصلح في ولايات كردفان ودارفور والنيل الأبيض، وجمع بين الحكمة والجرأة في معالجة النزاعات

من أبرز أدواره في هذا المجال

قيادة جهود الصلح بين قبائل المسيرية والحَمَر عام 1999م، والتي أسهمت في إيقاف نزاعات طويلة حول المراعي والمياه

رعايته لعدد من مؤتمرات التعايش السلمي في غرب كردفان (2005–2010م) بمشاركة الإدارات الأهلية المجاورة

مشاركته الفاعلة في مؤتمر الإدارة الأهلية القومي بالخرطوم عام 2018م، حيث دعا إلى إعادة الاعتبار للإدارة الأهلية كمؤسسة وطنية مستقلة عن الاستقطاب السياسي

دوره في الصلح بين الحَمَر والكبابيش والحوازمة عام 2019م، الذي اعتُبر نموذجاً لحل النزاعات التقليدية بالحكمة والعرف

كانت كلمته المشهورة في تلك اللقاءات

"الصلح لا يُصنع في القاعات، بل في القلوب."

 شهدت فترة قيادته سلسلة من الإنجازات التي جعلت من دار حمر نموذجاً في التنظيم والإدارة، من أبرزها

تأسيس مجلس نظارة دار حمر بهيكل إداري متكامل ومكاتب تنفيذية بالمحليات

المساهمة في إنشاء جامعة غرب كردفان وترؤسه لمجلس الأمناء في عدة دورات

إنشاء دار الإدارة الأهلية بمدينة النهود كمقر دائم للنظارة ومركز للمصالحات

دعم برامج محو الأمية والتعليم الأهلي وتشجيع تعليم البنات في القرى والأرياف

رعاية مؤتمر التعايش السلمي بين الرعاة والمزارعين (2017م) للحد من الاحتكاكات الموسمية

إشرافه على مشروعات المياه والتعليم والصحة بدعمٍ مجتمعي وتنسيقٍ مع السلطات المحلية

وخلال سنوات الحرب (2023–2025م)، ظلّ في موقعه بمدينة النهود، رافضاً مغادرة دار حمر رغم الظروف الصعبة، ليصبح رمزاً للثبات الوطني والإخلاص للمبدأ

 حرص الناظر عبد القادر على أن تكون للإدارة الأهلية صوتٌ مسموعٌ في قضايا الدولة. فشارك في المؤتمرات القومية حول الحكم المحلي والتنمية الريفية، وطرح رؤية متقدمة ترى أن الإدارة الأهلية ليست بديلاً عن مؤسسات الدولة، بل مكمّل لها يعبّر عن وجدان الناس وحاجاتهم الواقعية

ومن أبرز إسهاماته البارزة

مؤتمر السلام الوطني بالخرطوم (2002م) الذي دعا فيه إلى إشراك زعماء القبائل في مفاوضات السلام

مؤتمر تنمية كردفان الكبرى (2011م) الذي أسهم فيه بتوصيات حول إدارة الموارد والرعاة والمزارعين

مؤتمر الإدارة الأهلية بولاية غرب كردفان (2021م) الذي أُقيم بمدينة النهود برئاسته الفخرية، وخرج بتوصيات حول ضبط الأمن المجتمعي

وعندما طُلب منه التنازل عن موقفه، أجاب بصلابة قائلا

"إن كان والدي قد قُتل في فروته ثابتاً على مبدأه، فأنا جاهز إن شئتم فافعلوها

غبيش مدينة عزيزة سنحميها برجال يعرفون قيمة الوطن ويصونون كرامته

لن يأتي الخراب إلى السودان من قبل دار حمر ونحن أحياء فباطن الأرض خير لنا من ظاهرها إن مسّ العدو أرضنا

"من أجل السودان نُضحي، ومن أجل كرامته نصون العهد."

"ثباتنا رسالة.. ووفاؤنا عهد مكتوب على جبين الزمن."

"أرضنا لا تُشترى بثمن، وهي بأيدٍ تبني لا تُهدم."

"نحب السودان حباً يذاق طعمه القلب قبل الشفاه."

  معمر حسن حماد – الخوي، الربع الأول
أستاذ بالمرحلة المتوسطة

صباح شتوي... وبداية الحكاية

في صباحٍ من شتاء عام 2007، وتحديدًا يوم الخميس، اليوم الذي اعتدت فيه زيارة الأهل في مدينة الخوي لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، غادرتُ منطقة أم عويشة الواقعة غرب المدينة بنحو عشرين كيلومترًا
كانت الساعة تقترب من العاشرة صباحًا، والشمس بدأت ترسل خيوطها الحارّة على استحياء، قبل أن تشتد وتلسع الوجوه. وقفت على جانب الطريق أنتظر وسيلة تقلّني إلى وجهتي، أملاً في مرور سيارة أجرة أو صاحب فضلٍ يوصلني

مرّت بي عشرات السيارات، كأنها قافلة لا نهاية لها، لكن أحدًا لم يتوقف. طال الانتظار، وتصبب العرق من جبيني، وبدأ التعب ينهش الجسد، حين فاجأني القدر بمشهدٍ لا يُنسى

اللقاء المهيب

توقفت أمامي سيارة لاندكروزر فارهة، تنمّ عن مكانة سائقها وهيبته. نزل منها رجلٌ مهيب الطلعة، يشعّ من وجهه الوقار والنور. تبادلنا التحية بابتسامةٍ صادقة، وسألني عن وجهتي
أجبته بأنني متجه إلى الخوي، فبادرني بسؤالٍ آخر

"هل تعرف الشرتاي أبو جلوف والفكي حمد إبراهيم الصغير؟"

دهشتُ من معرفته بأعلام منطقتنا، وأحسست أنني أمام رجلٍ يحمل في صدره خريطة إنسانية واسعة، تعرف الناس وتُجلّهم. تحدث بأدبٍ جمّ واحترامٍ لافت، حتى خُيّل إليّ أنني أعرفه منذ زمن بعيد

الاعتذار النبيل

وبعد حديثٍ قصيرٍ ملؤه الودّ والاحترام، التفت إليّ قائلاً بلطفٍ نادر

"اعذرني يا أخي، السيارة تقلّ أفراد العائلة، ولا يوجد مقعد شاغر... سامحني، وادعُ لنا طريق السلامة."

كانت كلماته كالماء البارد على قلبٍ عطشان. لم يكن مجرد اعتذار، بل رسالة في الإنسانية والتهذيب. دعوت له من قلبي بالتوفيق، وقد ازددت إعجابًا بسلوكه الرفيع
ثم سألني، في تواضعٍ كريمٍ، إن كنت بحاجة إلى أي مساعدة أو دعم، وكأنه يعرفني منذ زمنٍ طويل. كان الموقف عابرًا، لكنه ترك في نفسي أثرًا خالدًا

الدهشة... والندم

ما إن ابتعدت السيارة حتى اقترب مني العم أبو حربة، صاحب المقهى الوحيد في المنطقة، وسألني

"هل تعرف من هذا الرجل؟"

أجبته بالنفي، فقال لي بدهشةٍ ممزوجةٍ بالفخر

"ذلك هو الأمير عبد القادر منعم منصور، ناظر عموم قبائل دار حمر!"

تجمدت في مكاني، وغمرني شعورٌ بالدهشة والندم معًا. كيف لم أعرف هذا الرجل العظيم؟ تمنيت لو أن القدر أمهلني لحظة لأعرفه بنفسي، وأحدثه عن والدي حسن حماد، رحمه الله، أحد أعلام الخوي المعروفين

دار الإمارة... وبيت الجميع

سمعتُ كثيرًا عن شهامة الناظر عبد القادر منعم منصور، وعن كرمه وسعة صدره، وعن دار إمارته التي كانت مأوىً لكل محتاج، ومجلسًا للصلح، وبيتًا لا يُغلق بابه في وجه أحد, كانت داره دار الجميع؛ يقصدها الطالب والمريض والمسافر، ويأوي إليها من انقطعت به السبل. كانت مثالاً نادرًا للقيادة الأبوية والرحمة الإنسانية

درس في التواضع والقيادة

ذلك الموقف البسيط علّمني أعظم الدروس: أن العظمة لا تُقاس بالمنصب، بل بالتواضع والخلق الرفيع
لقد رأيتُ في الأمير عبد القادر منعم قائدًا حقيقيًا، يجمع بين الحكمة والتواضع والكرم، رجلًا يضع مصلحة الآخرين قبل نفسه، ويعامل الكبير والصغير على حدّ سواء
كان قلبه وطنًا يحتضن الجميع، وصوته نغمة سلامٍ ووقارٍ في زمنٍ قلّت فيه هذه الصفات

خاتمة الوفاء

رحم الله أبانا الناظر عبد القادر منعم منصور، صاحب الفضل وسعة الصدر، الذي كان بحق رجلًا بقامة وطن
سيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة أبناء دار حمر، رمزًا للمروءة والكرم، ووجهًا مضيئًا في تاريخ السودان الأصيل

دكتور الهادي حمد عباس / الاستاذ الصحفي الصافي موسي حمدان / الاستاذ احمد قفيلة / دكتور محمد حامد ابوفردة

Contact

info@abdalgadermoniem.com

Social media